قد لا نجافي الحقيقة إن نحن قلنا إن الحركة الهادرة التي تجرف في طريقها كلَّ ما تعودنا عليه من قيم, وكلَّ ما تشبعنا به من تصورات وتبصرات, أصبح يتعرض يوميا للتآكل, وذلك تحت ضغط تغيرات تتجاوز كل توقع, وتتعالى عن كل استبصار حصيف أو مسبق. ولا شك أن هذا الوضع يتطلب منا جميعا ضرورة بناء رؤى حركيةٍ قادرةٍ على التقاط مؤشرات التوجهات الجديدة المتحكمة في نوابض اللحظة الراهنة واللحظة المؤجلة, اللتين تحتويان تجربتنا الوجودية الشاخصة والمستقبلية. ولئن كان العالم اليوم يتشكل وفق مقاسات جديدة ذات بعد دَارْوِينِيٍ يبرر مبدأ البقاء للأقوى, فإن المطلوب منا هو توطين العزم على تدشين نشأة جديدة نابعة من حس عميق بأن الحتمية الإنسانية الوحيدة - التي يؤكدها الواقع والوقائع- هي أنْ لا وجود لقوة قائمة كتحقق نهائي ومكتمل في لازمنيته الميتافيزيقية, لأن القوة سيرورة تبني نفسها, وتؤسس شرط دوامها بما تنجزه تباعًا واسترسالا, وليس بما تكتفي به من إنجازات أو شبه اكتمالات حالمة. ومعنى هذا أن ما تعيشه الأمة العربية والإسلامية اليوم, ليس لعنة منذورة تلقائيا وحتميًا للدوام إلى ما لانهاية. وضعنا اليوم ليس أصعب ولا أفظع من الوضع الذي كانت تتردى فيه أوربا في العصر الوسيط. ووضعنا اليوم ليس أصعب ولا أفظع من الوضع الذي كان تحياه القبائل العربية في ظل علاقات قوى فارسية وبيزنطية لا قِبَلَ لها بها, ولا قدرة لها على مجابهتها أو التملص من سلطتها الهاتكة.
إن وضعنا الراهن -الذي يشبه الحمأة الحضيضية القصوى- لا يحتاج إلى غنائيات دامعة وبكائيات مغبونة ومستبسلة, بل يحتاج إلى بناء وعي جديد قادر على تخليصنا
المزيد ...كتبها سعيد أراق في 04:57 مساءً :: لا يوجد تعليق
الاسم: سعيد أراق
