السبت,تشرين الثاني 08, 2008
هاهي ذي الشمس قد غابت, وها نحن نقف على مشارف اللحظة الحاسمة. نظراتك تتمادى نحو الأفق البعيد, رموشك تهتز وشفتاك ترتلان كلمات مبهمة. من فوق هذه الربوة المطلة على المدينة القديمة المتلفعة بأسوارها الحزينة, تتسارع الأحداث الأخيرة التي تسبق انهيار الصرح المزيف الذي حسبنا أنه يتسع لكل ما فينا من تعطش للمغامرة والمجازفة وعشق الحياة. يتلقفنا الصمت الموجع, ويطوح بنا في مهاوي اللحظات المارقة. أشعر أني قد قلت كل ما لدي. أسترق إليك النظرات, أتأمل صفحة وجهك وحمرة وجنتيك وخصلات شعرك المتدلية فوق جبينك. أشم عطرك فتلفحني كل الذكريات التي تقاسمناها, وكل اللحظات التي تآنسنا فيها بحثًا عن توحد أو تلمسًا لاكتمال. أنتظر سماع كلماتك, لكنك تبدين عالقة في عوالمك الداخلية التي لم أتمكن أبدًا من النفاد إليها أو الحلول فيها حلول اجتياح أو اختراق. يتصادى رنين هاتفك الجوال, تمتد يدك بشكل آلي إلى حقيبتك, تخرجين الهاتف بهدوئك المعتاد, تلقين نظرة شاردة على شاشته الصغيرة, ثم تعيدين وضع الهاتف في الجيب الداخلي للحقيبة, وتخرجين منها مفاتيح سيارتك, وتغادرين المكان متلفعة بصمتك المستعار...
الخميس,تشرين الثاني 06, 2008
في النقطة التي يتقاطع عندها أفخم شارعين في المدينة, يستلقي شبه جسد منهك نحيل, لا تفصله عن برودة الأرض القارسة سوى قطعة رثة من الورق المقوى الذي بللت أطرافه قطرات المطر في الهزيع الأخير من الليل. على مقربة من الجسد, بموازاة مع الذراع المتصلبة, توجد كسرة من الخبز اليابس, وعليها آثار مرق ناشف وقميء. في غمرة النوم الغَيْبُويِيِّ الذي يتلبس الجسد, وعبر كثافة الضباب الغامق, تتراءى بعض أطراف هذا الكائن السوريالي, لكن الوجه يبدو بدون ملامح, غارقا تحت جنح الضباب الهائل, متواريا خلف فخامة الاحتجاب الشفيف. فجأة ينبعث في المشهد صوت مواء, وينكشف عبر الضباب شبح قطة شاردة, تتمسح لحظة بالحائط الأملس ثم ترنو نحو الجسد اللصيق بالأرض, تحتك به تلمسا لدفء مفتقد, تتوسد ذراعه المتصلبة من شدة البرد, تموء موءتها الحزينة ثم تغمض عينيها وتنام.
الإثنين,كانون الأول 04, 2006
الأيام تتوالى مثل حبيبات مسبحة بين الأنامل، تبدو مسرفةً في المضي؛ ممعنةً في انتعال خُفِّ الرحيل؛ جامحةً جموح الزمن الحرون. بيني وبين الأيام ثأر قديم وجولات شرسة كثيرة. الأيام خَبَرَتْنِي وخَبَرْتُها؛ عَرَكَتْنِي وعَرَكْتُهَ,ا وكانت كلما كَالَتْ لي الضربات، كلما احْتَدَّ فيَّ العناد وحَمِيَ فيَّ وَطِيسُ التمرد المُشْرَعِ على المزيد من المغامرة والمكابرة وتمجيدِ كل ما في حوزة الذات من طقوس التسامي والإباء والعلياء. أنتم تعلمون أن للأيام منطقتها الخاص المستمد من سيرورتها الهادرة المدمرة، وتدفقها السخي الذي يجرف الأخضر واليابس، والحي والميت، وكل ماله لون أو رائحة أو فائض حياة أو بقية روح. الأيام اقتطعت مني الكثير، أخذت مني بدون حساب، كبدتني الكبوة تلو الكبوة، والعثرة تلو العثرة؛ زجت بي في أعتى المتاهات، وورطتني في سبل شتى ومسالكَ ومهالكَ عديدة, لكني خرجت من كل ذلك سالمًا معافى، مثخنا بالكثير من الجراح الغائرة أو المندملة، لكني أكثر قدرة على التحمل والمشاكسة والمعاكسة, أتقنتُ منطق المناورة والمداورة، وارتميتُ في أحضان الحياة بكل ما في مقدوري من صخب وحمق وحكمة وسؤدد وغباء...حَدَسْتُ منذ البداية أن الحياة حالة تشنج وجودي خاص, ولكي تكون حياتي من جنس هذا التشنج الوجودي العارم، ليس أمامي سوى التكوم والتكدس في حالة احتقان وتوتر دائم ومتواصل، كأوتار قيثارة أو كمان، كلما كانت مشدودة متوترة، كلما كانت أكثر قدرة على الاهتزاز والارتعاش والنبض وتوليد إيقاعات الموسيقى، تماما كما يَسْتَصْدِرُ توتر الذات، ترانيمَ الحياة.
هكذا مضيتُ في دروب الحياة ، ممتلئًا بعنفوان التوتر، مناهضًا لكل أشكال
المزيد ...
عَالِقٌ بين الحلم والكابوس. تَعْتَرينِي مرارتي, فأختلي بنفسي..أُوغِلُ في الصمت الفاحم..وأكتفي بما تأتي به عُصَارَةُ الأيام. هذه أوراقي مُشْرَعَةُ البياضِ كالأكفان..مَرْكونَةٌ هنا وهناك..نَأَى عنها القلم وَجَافَتْها الأنامل وَسَاوَرَتْهَا الأحزان. من خَصَاصِ النافذة المطلة على البحر, تتسلل ثُلَّةٌ من الأشعة الباهتة المحتقنة بالغبار. ومن خلف الباب تتصادى أصوات طفلة رائقة المزاج. تنادي أُمَّها بدلال. لكن لا صَوْتَ يصدر عن الأم و لا جواب. ترفع الطفلة عقيرتها بنشيج يشبه العواء...تتسارع خطوات خفيفة قادمة من الجهة المقابلة..تتوقف الطفلة فجأة عن البكاء ويسود الصمت من جديد. أعود لوحدتي, أُسْلِمُهَا نفسي وأستلم منها ثقل اللحظات. لا شيء يُنْذِرُ بالحركة. حتى الزمن تحول إلى مجرد كتلة بهماء عمياء ملبدة بلطخات الساعات المارقة بتثاؤب ونفور. صَبِيبُ الحَرِّ يمدد رطوبة الجو ويبعث في فضاء الغرفة غَمْرَةَ السَّأَمِ والمَلالَة. قميئةٌ هي الحياة حين تتجرد من فتنتها اللجوجة, وتَتَلَبَّسُ شُحوبَ الأيام الممتقعة الغبراء. إلى حدود الأمس, لم أكن ما أنا عليه الآن. خلِقتُ شِرهًا مُفْعَمًا بحب المتعة والعز والمال. ارْتَدْتُ كلَّ السُّبُلِ المتاحة والمنيعة. لم أشغل نفسي يوما بقياس المسافة الفاصلة بين الرجحان والبطلان. الحياة قصيرة وسراديب المُتَعِ لا يحدها الحصر ولا يُضْنِيهَا كثرة السالكين. لم أكن أُمْعِنُ كثيرًا في طرح الأسئلة, لأنني لم أَشْكُ يوما من عَطَالَةٍ أو فراغ. وحدها اللحظات الفارغة الجوفاء تعلم صاحبها الانشغال بالأسئلة, وتُوَلِّدُ في النفوس الغافية وَهْمَ الإيمان بأن لكل شيء تفسير أو جواب .هذا على الأقل ما توصلت إليه بعد أن تأبطتني رغبة
المزيد ...
الأحد,كانون الأول 03, 2006
انـتهى كل شيء واستتب الصمت… تربع في الزوايا… تخثر في الأركان، إنداحت حشرجات الكلمات في دواخل الذات، وانداحت الذات في مجاهل الصمت ولواعج الآهات، لم يعلق باللسان سوى اللهاث ولم تتراء للحاظ العين سوى أطياف غائمة هائمة بعيدة متباعدة ومودعة… انتهى كل شيء… وهاهو ذا يقف الآن، وحيدا يقف في منتصف الطريق، فريدا يجثو في وحشة الساحات، مجردا حتى من ظله في هذا الجو الغائم، مثقلا بجبنه عن مخاتلة الحلم، مقيدا بعجزه عن مراودة الرجاء كما كان ديدنه أيام زمان…
بـين الأمس واليوم مسافة رهيبة من
المزيد ...