المدى الأرحب


الثلاثاء,كانون الثاني 02, 2007


       

 

المغرب الذي يسعى جاهدا إلى ربط بنياته السوسيو-اقتصادية والذهنية بركب الحداثة, يجد نفسه في مواجهة مجموعة من الظواهر التي تتفاقم وترتبط في مجملها بذهنيات مثقلة بقيم التحايل والتخاذل والاستجداء. فظاهرة التسول مثلا أضحت تمثل مكونا يوميا من مكونات المشهد الاجتماعي اليومي المغربي. أعداد المتسولين تتكاثر, وأساليبهم تتطور, وحيلهم تتجدد. المتسولون يلاحقونك في كل مكان: في الشوارع الفسيحة والأزقة الضيقة, في المقهى والمطعم, في السوق وحتى في البنك. بل إنني أثناء زيارتي لأحد الأصدقاء الذي كان يتلقي العلاج في إحدى المصحات الخاصة بأكادير, فوجئت بوجود متسول يطلب الصدقة في الجناح المخصص للنساء الحاملات.

إن هذا الوضع ليس مؤشرا آليا على الفقر الذي يدفع هؤلاء إلى التسول, بل هو مؤشر على ذهنية مستحدثة انتعشت اجتماعيا في ظل ثقافة تستلذ كل ما هو جاهز وتنفر من بذل الجهد والأخذ بالأسباب. اليوم في المغرب, كل الناس يريدون الحصول على كل شيء بدون بذل أي مجهود. واليوم في المغرب تجد نفسك في كل لحظة وحين معرضا لكل أشكال التحايل والخداع والابتزاز سواء في الإدارات العمومية, أو في تعاملك مع البائعين أو في علاقاتك الاجتماعية اليومية. نحن نعيش أزمة قيم حقيقية. والجيل الناشئ من الشباب يحمل شعارات سلوكية غريبة, فصورة الشاب المقتدر المروَّجة اجتماعيا هي صورة ذلك الشاب "القوالبي" و"الطولانطي". وهما كلمتان عاميتان تدلان على القدرة على الخداع والتحايل وشمت الناس.

أما بالنسبة للمتسولين, فإن طرقهم لم تعد قائمة على استعطاف الناس واستذرار رحمتهم بالطريقة المباشرة التقليدية, بل أصبح الأمر منفتحا على ابتكار أساليب ذكية من أجل الإيقاع بالمواطنين والحصول على عطاياهم. وأصبح المتسول لا يرضى بالقطع النقدية الصفراء, ولا ترضيه سوى القطع الفضية البيضاء.

المواطن البئيس الذي يتعرض يوميا للنهب في الإدارات العمومية وفي تعاملاته التجارية مع البائعين والتجار الجشعين, يجد نفسه مجبرا على مواجهة فئة جديدة من المتلاعبين بعواطف الناس, وهم فئة المتسولين الجدد. وهي فئة تتكون من الرجل اليافع والشيخ الهرم, والمعاق أو من يتظاهر بالإعاقة, والمرأة الحامل أو من تتظاهر بذلك, والمرأة التي تكتري أطفالا لتتسول بهم على قارعة الطريق, والشاب الوسيم واللبق الذي يحسن الاستجداء باللغة الفرنسية, والفتاة الغضة التي تحاصرك بابتسامتها الجميلة لاستذرار عطفك ونقودك.

لقد أضحى التسول سبيلا سهلا للحصول على المال, وتحول إلى حرفة يمارسها كل من لا يستحيي من مد يده وإذراف بعض العبرات. والمغاربة يتذكرون تلك المرأة التي ضبطتها الشرطة وفي حوزتها ملايين الريالات التي جنتها من التسول, مع العلم أنها –كما كشف عن ذلك تحقيق الشرطة- كانت تملك منزلين ولم تكن في حاجة للتسول من أجل العيش. والأمثلة على ذلك كثيرة. لكن المأساة هي أننا تعودنا على التعايش مع هذه الظواهر لدرجة أصبحنا نعتبرها مقبولة وطبيعية, وأصبحنا نعتبرها ملمحا ضروريا من ملامح صورتنا الكهيبة. مشهدنا اليومي المغربي يقدم لنا صورة بئيسة تؤثثها القتامة والقبح واسترخاص الذات والكرامة. المغاربة الذين كانوا إلى عهد قريب يفضلون الإغماء جوعا بدل ذل التسول, أضحوا يستسهلون بشكل غريب التحول إلى محترفي تسول. ورحم الله المغاربة الذين كانوا يعيشون بذلك الشعار العامي الجميل الذي يقول:" جُوعِي فِي كْرْشِي, وْعْنَايْتِي فِي رَاسِي" ومعناه: بطني جائع, لكن كرامتي محفوظة ورأسي مرفوع...

هذه حداثتنا...ولكل حداثته...والسلام!..